The Tale of Hadara in the Desert
فجأة انقلبت الصحراء وارتفعت
الرمال في السماء كجدار هائل. وصلت فاطمة
بصعوبة إلى الجمل وعادت به مسرعة.
لكن المهد كان خاليًا. لقد
اختفى هدارة.
هدارة.
تندوف
في أقصى جنوب غرب الجزائر، حيث تمتد الصحراء بلا
نهاية كبحر من الرمال.
كانت قبيلة إدي شلي كغيرها من قبائل الصحراء
تجوب المنطقة الممتدة بين جنوب غرب الجزائر
وشمال موريتانيا والصحراء الغربية.
وخلال إحدى رحلاتها، واجهت القبيلة زوبعة
رملية قوية تسببت في فوضى
كبيرة
هربت خلالها جمال القبيلة. فانشغلت فاطمة
بمحاولة الإمساك بجملها. وفي خضم
الفوضى اختفى هدارة.
هدارة.
هدارة.
كان هدارة لا يزال في عامه
الثاني حين اختفى تماما.
حتى أجزم الجميع أنه مات في الصحراء.
لكن الحقيقة كانت أكثر غرابة مما
تخيل الجميع.
فهدارة لم يمت.
في مكان ما من تلك الصحراء الشاسعة، كان الطفل
تائهًا وحيدًا بين الرمال.
هام مدفوعًا بضراوة الريح، إلى أن عثر على
حفرة اتخذها ملجأ دون أن يدري
أنها عش نعامة.
لما عادت النعامة من رعيها لاحتضان بيضها
وجدت الكائن الغريب،
لكن بحكم ذلك الوحي الوجداني الذي غرس
غريزة العطف على الصغار في قلوب كل الكائنات،
لم يبد من النعامة رفض ولا امتعاض،
وإنما عطف وحنان.
فاحتضنت هدارة بين بيوضها، بل أحاطته
بعناية خاصة.
وسهرت على تغذيته بالحشرات وعروق النباتات.
ترعرع الطفل لاعبا بين صغار النعام، ومعها
تعلم صيحات لغتها وعاداتها
وتصرفاتها.
إلى أن صار ظليما من القطيع.
يتنقل معها من مكان إلى آخر.
طفل بشري يعيش بين طيور الصحراء.
مرت الشهور
ثم السنوات حتى أصبح المشهد الذي لا يكاد
يصدق واقعا يتكرر في أعماق الصحراء.
في يوم من الأيام وخلال إحدى تنقلات القبيلة،
لاحظ أحد رجالها أثر أقدام
آدمية ترافق سرب نعام في ترحاله
عبر تلك الربوع البعيدة.
تتبعوا الأثر إلى أن وصلوا إلى القطيع.
وكانت المفاجأة.
فتى صغير يتنقل ويمرح بين القطيع.
كان المشهد صادما لدرجة أن الرجال لم يصدقوا
أعينهم.
اقتربوا من الطفل بحذر.
وحاولوا الحديث معه،
لكنه لم يكن يتقن الكلام ولا الإشارة.
وبعد محاولات بدأ رجال القبيلة
يتعرفون على ملامحه،
ثم اكتشفوا الحقيقة التي بدت أشبه بالمعجزة.
الصبي الذي اختفى قبل عشر سنوات لم
يكن سوى هدارة.
هدارة.
عاد هدارة إلى قبيلته.
هدارة.
لكن عودته لم تكن عودة طفل
عادي.
صار غريبا عن لغة البشر،
عاجزا عن التعبير.
فحملوه إلى الشيخ ماء العينين الذي تولى
رعايته وساعده على استعادة الكلام
والاندماج من جديد في حياة الناس.
كبر هدارة وأصبح رجلا ذا عصيته في
مناطق واسعة من الصحراء،
ونسبت إليه مع مرور الزمن كرامات عجيبة
رسخت مكانته في الذاكرة الشعبية.
وانتهت رحلته في تندوف بالجزائر، حيث ما يزال
قبره شاهدًا على حكاية غريبة
تناقلتها الأجيال.
End of transcript · 402 words